أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
108
العقد الفريد
المتوكل وعلي بن الجهم قال عليّ بن الجهم : دخلت يوما على المتوكل ، فقال : يا علي ! قلت : لبيك أمير المؤمنين . قال : دخلت الساعة إلى قبيحة ، وقد كتبت على خدّها بالمسك اسمي ، فو اللَّه ما رأيت سوادا في بياض أحسن منه في ذلك الخدّ ؛ فقل فيه شعرا . فقلت : يا أمير المؤمنين ، أمظلومة معي ؟ قال : نعم . ومظلومة خلف الستارة ، فدعت بدواة وبدرت بالقول ، فقالت : وكاتبة بالمسك في الخدّ « جعفرا » * بنفسي مخطّ المسك من حيث أثرا لئن أودعت سطرا من المسك خدّها * لقد أودعت قلبي من الحبّ أسطرا فيا من لمملوك تملّك مالكا * مطيعا له فيما أسرّ وأظهرا ويا من مناها في السرائر جعفر * سقى اللَّه من صوب الغمامة جعفرا « 1 » قال : وأفحمت فلم أنطق ، وتغلبت على خواطري فما قدرت على حرف أقوله ، فضحك أمير المؤمنين . الأصمعي والرشيد الأصمعي قال : دخلت على هارون أمير المؤمنين ، وبين يديه جارية حسناء عليها لمّة « 2 » جعدة ، وذؤابة تضرب الحقو منها ، وهلال بين عينيها مكتوب عليه بالذهب : هذا ما عمل في طراز اللَّه ! فقال : يا أصمعي ، صفها ، فأنشأت أقول : كنانيّة الأطراف سعديّة الحشا * هلاليّة العينين طائيّة الفم لها حكم لقمان ، وصورة يوسف * ونغمة داود ، وعفّة مريم فقال : أحسنت واللَّه يا أصمعي ؛ فعل عرفت اسمها ؟ قلت : لا يا أمير المؤمنين فقال اسمها دنيا . فأطرقت ساعة ثم قالت . إنّ دنيا هي التي * تملك القلب قاهرة
--> ( 1 ) الصوب : المطر بقدر ما ينفع ولا يؤذي . ( 2 ) اللّمة : شعر الرأس المجاور شحمة الأذن .